ابن ميثم البحراني

80

شرح نهج البلاغة

فإذن ليسوا من رجال الحرب ، ولمّا استعار لهيجان الحرب لفظ النار لما يستلزمانه من الأذى الشديد رشّح تلك الاستعارة بذكر الأسعار ووصف رجالها به . الثامنة : كونهم يكادون ولا يكيدون : أي يخدعون ويمكر بهم عدوّهم في ايقاع الحيلة ، وليس لهم قوّة المكر والحيلة به . وذلك أيضا من رذيلة ضعف الرأي . التاسعة : كونهم تنقص أطرافهم فلا يمتعضون : أي يغار العدوّ في كلّ وقت على بعض بلادهم فيحوزها فلا يشقّ ذلك عليكم ولا يدرككم منه أنفة ولا حميّة ، وهو وصف لهم برذيلة المهانة . العاشرة : كونهم في غفلة ساهون مع انتباه عدوّهم . وهو وصف لهم برذيلة الغفلة أيضا عمّا يراد بهم ، وقلَّة عقليّتهم لمصالح أنفسهم ، وكلّ هذا التوبيخ تثقيف لهم وتنبيه لنفوسهم الراقدة في مراقد طبائعها على ما ينبغي لهم من المصالح الَّتي يكون بها نظام أحوالهم على قانون الدين . وقوله : غلب واللَّه المتخاذلون . تنبيه على أنّهم بتخاذلهم سيغلبون . وأورد الغلب المطلق بعلَّة التخاذل لأنّهم للحكم العامّ أشدّ قبولا منهم له على أنفسهم إذ لو خصّصهم به فقال غلبتم واللَّه أو تخاذلتم لم يكن وقعه في الذوق كوقعه عامّا . وقوله : وأيم اللَّه . إلى قوله : انفراج الرأس . أقسم أنّه ليظنّ بهم أنّهم عند اشتداد الحرب وحرارة الموت ينفرجون عند انفراج الرأس : أي يتفرّقون أشدّ تفريق . وانفراج الرأس مثل . قيل : أوّل من تكلَّم به أكثم بن صيفي في وصيّة له : يا بنىّ لا تنفرجوا عند الشدائد انفراج الرأس فإنّكم بعد ذلك لا تجتمعون على عزّ . وفي معناه أقوال . أحدها : قال ابن دريد : معناه أنّ الرأس إذا انفرج عن البدن لا يعود إليه ولا يكون بعده اتّصال وذلك أشدّ انفراج . الثاني : قال المفضّل ، الرأس اسم رجل ينسب إليه قرية من قرى الشام يقال لها بيت الرأس وفيها يباع الخمر . قال حسّان : كان سببه من بيت رأس يكون مزاجها